الشيخ الطبرسي
147
تفسير مجمع البيان
الجن مع تمردهم وعتوهم لما سمعوا القرآن ، آمنوا واهتدوا به ، فأنتم معاشر العرب أولى بالتفكر والتدبر لتؤمنوا وتهتدوا مع أن الرسول من جنسكم ، ولسانه لسانكم . وقيل : إن هذه الآية مع ما قبلها اعتراض من أخبار الله تعالى . يقول : إن الجن ظنوا كما ظننتم معاشر الإنس أن الله لا يحشر أحدا يوم القيامة ، ولا يحاسبه ، عن الحسن . وقيل : يعني لن يبعث الله أحدا رسولا ، عن قتادة . ثم حكى عن الجن قولهم ( وأنا لمسنا السماء ) أي مسسناها . وقيل : معناه طلبنا الصعود إلى السماء ، فعبر عن ذلك باللمس مجازا ، عن الجبائي . وقيل التمسنا قرب السماء لاستراق السمع ، عن أبي مسلم . ( فوجدناها ملئت حرسا شديدا ) أي حفظة من الملائكة شدادا ( وشهبا ) والتقدير ملئت السماء من الحرس والشهب ، وهو جمع شهاب ، وهو نور يمتد من السماء كالنار ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع ) أي لاستراق السمع أي : كان يتهيأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع ، فنسمع منها صوت الملائكة وكلامهم ( فمن يستمع ) منا ( الآن ) ذلك ( يجد له شهابا رصدا ) يرمى به ، ويرصد له . وشهابا مفعول به و ( رصدا ) . صفته . قال معمر : قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : نعم . قلت أفرأيت قوله . ( إنا كنا نقعد منها ) الآية قال : غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قال البلخي : الشهب كانت لا محالة فيما مضى من الزمان ، غير أنه لم يكن يمنع بها الجن عن صعود السماء ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم منع بها الجن من الصعود . ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ) أي بحدوث الرجم بالشهب وحراسة السماء ، جوزوا هجوم انقطاع التكليف ، أو تغيير الأمر بتصديق نبي من الأنبياء ، وذلك قوله ( أم أراد بهم ربهم رشدا ) أي صلاحا . وقيل : معناه إن هذا المنع لا يدرى العذاب سينزل بأهل الأرض ، أم لنبي يبعث ، ويهدي إلى الرشد . فإن مثل هذا لا يكون إلا لأحد هذين الأمرين . وسمى العذاب شرا ، لأنه مضرة . وسمى بعثة الرسول رشدا ، لأنه منفعة . ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ( 11 ) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ( 12 ) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ( 13 ) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون